عبد القاهر الجرجاني

61

درج الدرر في تفسير القرآن العظيم

ومن جهتهما . والمتشابه من جهة اللفظ ضربان : أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة ، إما من جهة الغرابة نحو ( الأبّ ) و ( يزفون ) ، أو الاشتراك : كاليد والعين . وثانيهما : يرجع إلى جملة الكلام المركب ، وذلك على ثلاثة أضرب : ضرب لاخصار الكلام ، نحو وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ [ النساء : 3 ] ، وضرب لبسطه ، نحو لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] كان أظهر للسامع ، وضرب لنظم الكلام ، نحو أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ( 1 ) قَيِّماً [ الكهف : 1 - 2 ] تقديره : أنزل على عبده الكتاب قيّما ولم يجعل له عوجا . والمتشابه من جهة المعنى : أوصاف اللّه تعالى ، وأوصاف القيامة ، فإن تلك الصفات لا تتصور لنا إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسّه ، أو لم يكن من جنس ما نحسّه . والمتشابه من جهتهما خمسة أضرب : الأول : من جهة الكمية كالعموم والخصوص ، نحو فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 5 ] . والثاني : من جهة الكيفية ، كالوجوب والندب ، نحو فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [ النساء : 3 ] . والثالث : من جهة الزمان ، كالناسخ والمنسوخ ، نحو اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ آل عمران : 102 ] . والرابع : من جهة المكان ، والأمور التي نزلت فيها ، نحو وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها [ البقرة : 189 ] ، إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [ التوبة : 37 ] ، فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه تفسير هذه الآية . والخامس : من جهة الشروط التي يصح بها الفعل أو يفسد كشرط الصلاة والنكاح » . وقد قسم المؤلف رحمه اللّه تعالى آيات القرآن الكريم إلى نوعين هما : المحكم والمتشابه ، وذلك كما جاء في تفسيره قول اللّه تعالى : يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ [ البقرة : 20 ] إذ يقول : « وتقرير مثل المنافقين من أصحاب الصّيّب من حيث إنّ القرآن نازل عليهم من نحو السماء كالصيّب ، وفيه متشابهات ومحكمات » « 1 » . ويذكر المؤلف رحمه اللّه تعالى أن إحدى فوائد نزول المتشابه هو الابتلاء . ويسأل سؤالا : هل يجب الإيمان بغير المعلوم ؟ يقول مجيبا على هذا السؤال : نعم للإعجاز الحاصل بالنّظم المعلوم ووقوع بأن معناه موافق للمحكم المعلوم وفي معناه .

--> ( 1 ) الأصل ( 4 و ) .